ابو بكر بن طفيل

69

حي بن يقظان

على الدوام ، مشاهدة بالفعل ابدا ، حتى لا يعرض عنه طرفة عين ، لكي توافيه منيته وهو في حال المشاهدة بالفعل ، فتتصل لذته دون ان يتخللها ألم . واليه أشار الجنيد ، شيخ الصوفية وامامهم ، عند موته بقوله لأصحابه : « هذا وقت يؤخذ منه : اللّه أكبر - واحرم الصلاة . ثم جعل يتفكر كيف يتأتى له دوام المشاهدة بالفعل ، حتى لا يقع منه اعراض ؛ فكان يلازم الفكرة في ذلك الموجود كل ساعة . فما هو الا ان يسنح لبصره محسوس ما من المحسوسات ، أو يخرق سمعه صوت بعض الحيوان ، أو يعترضه خيال من الخيالات ، أو يناله ألم في أحد أعضائه ، أو يصيبه الجوع أو العطش ، أو البرد أو الحر ، أو يحتاج إلى القيام لدفع فضوله ، فتختل فكرته ، ويزول عما كان فيه ، ويتعذر عليه الرجوع إلى ما كان عليه من حال المشاهدة الا بعد جهد . وكان يخاف ان تفجأه منيته وهو في حال الاعراض ، فيفضي إلى الشقاء الدائم وألم الحجاب . فساءه حاله ذلك وأعياه الدواء . الحيوانات لا تسعى وراء واجب الوجود : هي صائرة إلى العدم فجعل يتصفح أنواع الحيوانات كلها ، وينظر افعالها ، وما تسعى فيه ، لعله ينظر في بعضها انها شعرت بهذا الموجود ، وجعلت تسعى نحوه ؛ فيتعلم منها ما يكون سبب نجاته . فرآها كلها انما تسعى في تحصيل غذائها ومقتضى شهواتها من المطعوم والمشروب والمنكوح والاستظلال والاستدفاء ، وتجد في ذلك ليلها ونهارها ، إلى حين مماتها وانقضاء مدتها . ولم ير شيئا منها ينحرف عن هذا الرأي ولا يسعى لغيره في وقت من الأوقات . فبان له بذلك انها لم تشعر بذلك الموجود ولا اشتاقت اليه ، ولا تعرفت به بوجه من الوجوه ؛ وانها كلها صائرة إلى العدم ، أو إلى حال شبيه بالعدم . فلما حكم بذلك على الحيوان ، علم أن الحكم له على النبات أولى ، إذ ليس للنبات من الادراكات الا بعض ما للحيوان . وكذلك حال النبات : نفس الحيوان ونفس النبات لا تخلدان وإذا كان الأكمل ادراكا لم يصل إلى هذه المعرفة ، فالأنقص ادراكا احرى ان لا يصل ، مع أنه رأى أيضا ان افعال النبات كلها لا تتعدى الغذاء والتوليد .